ملا محمد مهدي النراقي

222

جامع السعادات

والأنبياء والأوصياء - عليهم السلام - : ( ربنا آتنا في الدنيا حسنة ، وفي الآخرة حسنة ) ، وكانوا يستعيذون من شماتة الأعداء وسوء القضاء . وقال ( ص ) : ( سلوا الله العافية ، فما أعطي عبد أفضل من العافية إلا اليقين ) ، وأشار باليقين إلى عافية القلب من الجهل والشك ، وهو أعلى وأشرف من عافية البدن ، وقال ( ص ) في دعائه : ( والعافية أحب إلي ) . وبالجملة : هذا أظهر من أن يحتاج إلى الاستشهاد . إذ البلاء إنما يصير نعمة بالإضافة إلى ما هو أكثر منه في الدنيا والآخرة ، وبالإضافة إلى ما يرجى من الثواب في الآخرة ، ومن حيث يوجب تجرد النفس وانقطاعها من الدنيا وميلها إلى الآخرة . فينبغي أن يسأل تمام النعمة في الدنيا ، والثواب في الآخرة على شكر المنعم ، والتجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، فإنه قادر على إعطاء الكل ، وما نقل عن بعض العارفين ، من سؤالهم المصائب والبلاء ، كما قال بعضهم : ( أود أن أكون جسرا على النار يعبر علي الخلق كلهم فينجون ، وأكون أنا في النار ) وقال سمنون المحب ( ( وليس لي في سواك حب فكيفما شئت فاختبرني ) فمبناه على غلبة الحب ، بحيث يظن المحب بنفسه أنه يحب البلاء . ومثل ذلك حالة تعتريه وليس لها حقيقة . فإن من شرب كأس المحبة سكر ، ومن سكر توسع في الكلام ، ولما زال سكره علم أن ما غلب عليه كانت حالة لا حقيقة . فما تسمعه من هذا القبيل فهو كلام العشاق الذين أفرط حبهم ، وكلام العشاق يستلذ سماعه ولا يعول عليه . وقد روي : ( أن فاختة كان يراودها زوجها فتمنعه ، فقال : ما الذي يمنعك عني ، ولو أردت أن أقلب لك ملك سليمان ظهرا لبطن لفعلته لأجلك ؟ فسمع ذلك سليمان ( ع ) ، فطلبه وعاتبه في ذلك فقال : يا نبي الله كلام العشاق لا يحكى ) . ونقل : ( أن سمنون المحب بعد ما قال البيت المذكور ، ابتلى بمرض الحصر ، فكان يصيح ويجزع ويسأل الله العافية ، ويظهر الندامة مما قال ، ويدور على أبواب المكاتب ، ويقول للصبيان : ادعوا لعمكم الكذاب ) . والحاصل : أن صيرورة البلاء أحب عند بعض المحبين من العافية ، لاستشعارهم رضا المحبوب لأجله ، وكون رضاه عندهم أحب وألذ من العافية إنما يكون في غليان الحب ، فلا يثبت ولا يدوم . ومع ذلك كله ، فأعلم أن الظاهر من بعض الأخبار الآتية